السائح المسيحي
القرار
يا سائحاً نحوَ السماءِ تشدّدا
أنت الحبيبُ فلا تخف شرَّ العدىإنّ انتصارَك بالصليبِ مؤكّدا
بل إنني أعددتُ عندي للمدى
لكَ منزلاً في غايةِ التزيينِ
الأبيات
البيت 1
يا سيدي الفادي إليكَ حنيني
ولرؤيتى إياكَ كلُّ أنيني
قد ساقني لحماكَ حُسْنُ يقيني
البيت 2
يا سيدَ الأسيادِ، بل يا سيدي،
لكَ ما حَييتُ تديُّني وتعبُّدي
حبَّبتني في ذي الحياةِ تزهُّدي
البيت 3
صبحُ الجمالِ على جبينِك لائحٌ
وشذا الرضا من روضِ قلبِك فائحٌ
فلذا أنا بالروحِ نحوَك سائحٌ
البيت 4
إنّي شعرْتُ بوحشةٍ في غيابِكَ
فمتى أنالُ الحظَّ مُجْتمعاً بك؟
هيهاتَ أن أنسَّرَ بغيرِ أُنسِكَ
البيت 5
لاشكَّ أنّك لي رفيقُ سياحتي
بالروحِ آخذُ منكَ بعضَ الراحةِ
متناسيّاً أيامَ بيْنٍ راحتِ
البيت 6
متلهفاً حتى أراكَ وأشبعَ
وأظلُّ عندَك باللقا مُتمتِّعا
لن أكتفي إلاّ به أو أقنعَ
البيت 7
يا أيُّها المحُيي الرفاتِ ثانيةْ؛
البشرَ الخطاةَ، بنفسِه، يا ذا الحملْ
يا مُشتهى نفسي ويا كلَّ الأملْ
البيت 8
إنّ الطريقَ إليكَ صعبُ المسلكِ
لكنني لسواكَ لستُ بمشتكِ
أكثِرْ بعُظْمِ تحيّري وتلبُّكي،
البيت 9
يا أيُّها الروحُ العزيزُ رأيتني
وحدي أسيحُ إلى السما فصحبتني
حتى إذا ضلّتْ خُطايا هديتني
البيت 10
هاتِ الأحاديثَ التي تنفي الكدرْ
عن سيدي المحبوبِ ما دامَ السفرْ
علِّل فؤادي كلَّ يومٍ بخبرْ
البيت 11
إنّ السعادةَ حظُ سُيّاحِ السما
يا حُسْنَ يومِ وصولِهم ذاك الحمى!
يلقاهُمُ جندُ السماءِ مرنِّما
البيت 12
حملوا الصليبَ وما استحوْا بي بيْن البشرْ
بل ما ابتغوْا حظاً سوى اسمي المحتقرْ
فليجلسوا حولي على عرشٍ الظفرْ
البيت 13
هناك يا سيّاحُ فيها تمتّعوا
وتلذّذوا بالربِ حتى تشبعوا
طوبى لكم؛ أفراحُكم لا تُنْزَعُ
البيت 14
أفراحُ حالتِكم به لا تُشرَحُ
أو للتكدُرُ ليس يُوجَدُ مطرحُ
الموتُ يفنى والخطايا تبرحُ
البيت 15
أتعابُكم زمنَ التباعدِ تذهبُ
وجُروحُكم حينَ السياحةِ تُعْصَبُ
فكلوا طيبَ جِنْيّ الحياةِ، واشربوا
البيت 16
وتوطَّنوا الفردْوسَ ثم تنسَّموا
أرواحُكم فيها تُسّرُ الأعظمُ
وتبخَّتروا فيها علام (على ما) شئْتُموا
البيت 17
وتمتّعوا أنتمُ بلذاتِ الهنا
وأنا أقاسي الهمَّ والبلوى هنا!
متحيِّراً حتى يُسَّرَ إلهُنا،
البيت 18
فإذا رآني الناسُ في الحالِ التي
قد عِشْتُ فيها، ههنا، يا قُدوتي
من دونِ ميلٍ للورا (للوراء) وتلَفُّتِ
البيت 19
حُبُّك أوصلني لحالِ الهائمِ
حتى أُرى إلّاه غيرَ ملائمِ
فعلى قواعدِه بَنْيتُ عزائمي
البيت 20
إنّي أنا الصْبُّ الجسورُ المقْدِمُ
وبمذهبي: خوفُ المحبِ مُحَرَّمُ
وفُتورُه أثناء بَيْنِ يلؤمُ
البيت 21
إذ كُنتُ مديوناً لربي بالخطا (بالخطأ أي الخطيئة)
وحُكِمْ عليَّ بالهلاكِ مُربَّطا
فأتى يسوعُ للفدا متوسِطا
البيت 22
يا سيدي قصدي رضاك، ولا سوى
إذْ أنّه مجموعُ مطلوبي حوى
أمِّنْ عليّ بذاك (أي برضاك) أثناءَ النوى (النوى هو الموت)
البيت 23
ويلُ الخطاةِ الأشقيا مما مضى
من حينِ تُنْصَبُ الكراسي للقضا
فتضيقُ فيهم ثَمَ ساحاتِ القضا
البيت 24
أنتَ العزيزُ لديَّ في كلِّ الورى
حتى على عيني أراكَ مصوَّرا
ومتى حديثُك، يا منى قلبي، جرى
البيت 25
يا حبَّذا السكرُ الحلالُ المشتهى
بمحبةِ الفادي لنا للمنتهى
حتى يُقالَ عن الدني: هذا سَهَا
البيت 26
مهما لاقيِتُ من الورى (الخلق أو البشر) لا أشتفي
من حزازاتِ الفؤادِ المدنفِ
ولو أنّه خِلٌ وفي ولي قد صَفَا (صفا قلبه لي)
البيت 27
يا سيدي قد طالَ وقتُ تغرّبي
ومللتُ حِمْلَ إهانةٍ وتجرُّبي
حتى أُرى في حضنِ أمي والأبِ
البيت 28
عَجِّلْ مجيئَك مُقْبِلاً حالاً إليّ
من دونِ مهْلٍ، غرْبَتُكْ طالتْ عليّ
ما رَاقَ في عيني بعدَك قطُ شيءْ
البيت 29
في غُربتي إنّي شبعتُ تذلُّلا
حتى لها لا أستطيعُ تحمُّلا
كمْ قد وعدتُ النفسَ فيك تعلُّلا
البيت 30
أرجوك لا تدع انتظاري للقا
أبداً يَقِلُّ، فإنّه روحُ التُقى
بل إنّما زِدْني إليه تشوّقاً
البيت 31
من لم يحبك ما درى ماذا الهوى
بل ما أتى الحبَّ الصحيحَ، وما نوى
إلا على بُغْضِ المهيّمنِ ما انطوى
البيت 32
لكنَّ مَنْ يهواك نالَ غنيمةً
وله الحياةُ سعادةً أبديةً
يَكسيه حبُّه للقداسةِ حلةً
البيت 33
قلبي الذي بالأصلِ كان منجَّسا
بدمِ المسيحِ على الصليبِ تقدَّسا
فعلى الصليبِ رجاءُ قلبي أُسِّسا
البيت 34
إذ أنه أضحى أساسَ عبادتي
وبه غلبتُ الخَصْمَ، يا لسعادتي!
وبه صلبتُ عواطفي وإرادتي
البيت 35
أنتَ الحنون، ارثِ (يرثي أي يُشفِق) لحالة غربتي
واشفق على ضعفي وفرِّج كُرْبتي
عطفاً، فلا يخفاك مزمنُ علتي
البيت 36
ما الظنُ يُبْرِئُها سواه وداؤها
ينبي (أي يُخبر) العليلَ بأن يعزَّ شفاؤها
سيدومُ، مادامَ الفِراقُ، بلاؤها
البيت 37
حتى متى يُضني الجفا وإلى متى؟
مع كونِ بُعْدُك، يا حبيبي، مؤقَّتا
ومجيئُك المحبوبُ عنديّ ثُبِّتَ
البيت 38
والآن أطلبُ راجياً متوسِلا
وعداً ووعدُكَ بالوفا لن يبطلا
قُلْ لي متى تأتي إليّ من العلا
البيت 39
يا سائحاً نحوَ السماءِ تشدّدا
أنت الحبيبُ، فلا تخف شرَّ العدى
إنّ انتصارَك بالصليبِ مؤكّدا،
البيت 40
وها أنا آتي سريعاً بغتةً
إياكَ أن تنسى مجيئيَ لحظةً
بل فانتظره دقيقةً فدقيقةً