فَأَجَابَ صُوفَرُ النَّعْمَاتِيُّ وَقَالَ׃
«مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ هَوَاجِسِي تُجِيبُنِي، وَلِهَذَا هَيَجَانِي فِيَّ.
تَعْيِيرَ تَوْبِيخِي أَسْمَعُ. وَرُوحٌ مِنْ فَهْمِي يُجِيبُنِي.
«أَمَا عَلِمْتَ هَذَا مِنَ الْقَدِيمِ، مُنْذُ وُضِعَ الْإِنْسَانُ عَلَى الْأَرْضِ،
أَنَّ هُتَافَ الْأَشْرَارِ مِنْ قَرِيبٍ، وَفَرَحَ الْفَاجِرِ إِلَى لَحْظَةٍ!
وَلَوْ بَلَغَ السَّمَاوَاتِ طُولُهُ، وَمَسَّ رَأْسُهُ السَّحَابَ،
كَجُلَّتِهِ إِلَى الْأَبَدِ يَبِيدُ. الَّذِينَ رَأَوْهُ يَقُولُونَ׃ أَيْنَ هُوَ؟
كَالْحُلْمِ يَطِيرُ فَلَا يُوجَدُ، وَيُطْرَدُ كَطَيْفِ اللَّيْلِ.
عَيْنٌ أَبْصَرَتْهُ لَا تَعُودُ تَرَاهُ، وَمَكَانُهُ لَنْ يَرَاهُ بَعْدُ.
بَنُوهُ يَتَرَضَّوْنَ الْفُقَرَاءَ، وَيَدَاهُ تَرُدَّانِ ثَرْوَتَهُ.
عِظَامُهُ مَلآنَةٌ شَبِيبَةً، وَمَعَهُ فِي التُّرَابِ تَضْطَجِعُ.
إِنْ حَلَا فِي فَمِهِ الشَّرُّ، وَأَخْفَاهُ تَحْتَ لِسَانِهِ،
أَشْفَقَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتْرُكْهُ، بَلْ حَبَسَهُ وَسَطَ حَنَكِهِ،
فَخُبْزُهُ فِي أَمْعَائِهِ يَتَحَوَّلُ، مَرَارَةَ أَصْلَالٍ فِي بَطْنِهِ.
قَدْ بَلَعَ ثَرْوَةً فَيَتَقَيَّأُهَا. اللهُ يَطْرُدُهَا مِنْ بَطْنِهِ.
سَمَّ الْأَصْلَالِ يَرْضَعُ. يَقْتُلُهُ لِسَانُ الْأَفْعَى.
لَا يَرَى الْجَدَاوِلَ أَنْهَارَ سَوَاقِيَ عَسَلٍ وَلَبَنٍ.
يَرُدُّ تَعَبَهُ وَلَا يَبْلَعُهُ. كَمَالٍ تَحْتَ رَجْعٍ. وَلَا يَفْرَحُ.
لِأَنَّهُ رَضَّضَ الْمَسَاكِينَ، وَتَرَكَهُمْ، وَاغْتَصَبَ بَيْتًا وَلَمْ يَبْنِهِ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِي بَطْنِهِ قَنَاعَةً، لَا يَنْجُو بِمُشْتَهَاهُ.
لَيْسَتْ مِنْ أَكْلِهِ بَقِيَّةٌ، لِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يَدُومُ خَيْرُهُ.
مَعَ مِلْءِ رَغْدِهِ يَتَضَايَقُ. تَأْتِي عَلَيْهِ يَدُ كُلِّ شَقِيٍّ.
يَكُونُ عِنْدَمَا يَمْلَأُ بَطْنَهُ، أَنَّ اللهَ يُرْسِلُ عَلَيْهِ حُمُوَّ غَضَبِهِ، وَيُمْطِرُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ طَعَامِهِ.
يَفِرُّ مِنْ سِلَاحِ حَدِيدٍ. تَخْرِقُهُ قَوْسُ نُحَاسٍ.
جَذَبَهُ فَخَرَجَ مِنْ بَطْنِهِ، وَالْبَارِقُ مِنْ مَرَارَتِهِ مَرَقَ. عَلَيْهِ رُعُوبٌ.
كُلُّ ظُلْمَةٍ مُخْتَبَأَةٌ لِذَخَائِرِهِ. تَأْكُلُهُ نَارٌ لَمْ تُنْفَخْ. تَرْعَى الْبَقِيَّةَ فِي خَيْمَتِهِ.
السَّمَاوَاتُ تُعْلِنُ إِثْمَهُ، وَالْأَرْضُ تَنْهَضُ عَلَيْهِ.
تَزُولُ غَلَّةُ بَيْتِهِ. تُهْرَاقُ فِي يَوْمِ غَضَبِهِ.
هَذَا نَصِيبُ الْإِنْسَانِ الشِّرِّيرِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمِيرَاثُ أَمْرِهِ مِنَ الْقَدِيرِ».